تجربة الكتابة… تجربة الرواية.. “لي في المأوى أورفيوسي”

مساحة إشهارية للحجز الإتصال بالرقم التالي: 0669548577 أو 0662447410

“لي في المأوى أورفيوسي”

بقلم: هاجر الشرامو

” عندما أقول ما أقول فلأنني هزمت بما أقوله” كما يقول بورشيا.

الكتابة في ظاهرها ذلك الفعل السردي الذي يقوم به الفاعل أثناء إنتاج خطاب ما، لكن ماذا عن كونها ضرورة، شعورا، كثافة، جنونا، صمتا، ماذا عن كونها شيء معلق لا ننتهي منه، لكنه ينتهي منا في نص، ليلقي بنا في نص آخر، عبر حلقة غير منتهية، في كل مرة نظن أننا بلغنا الملاذ المشتهى، لكننا نجد أنفسنا عند بداية خط الرحلة. إنها أشبه بتلك الصفعة/الهزيمة التي نتلقاها ونحن نبحث عن الكلمات معتقدين أننا نسعفها لنجد أنها تسعفنا، حينما نجد أنفسنا في بداية النص لا نهايته، أي أننا لا زلنا عند الشهقة الأولى للفكرة التي حركت فينا زلزالا للكتابة، ولم نحقق بعد الامتداد الذي سعينا له عند كتابة أول كلمة من النص.

لكن لنعد إلى مفهوم الكتابة، يقول الشاعر الأمريكي إمرسون Emerson “أن الإنسان ليس إلا نصف ذاته الخاصة، النصف الآخر تعبيره” إنها ذاك التعبير الذي يحمل في جوفه صوتا داخليا، مليء بالضجيج والصراخ، مليء بصوت يرقب هذا العالم، يرصد ملامحه، سواء عبرنا عن هذه النظرة الخارجية أو الداخلية التي تعج بالمشاعر، والانفعالات، والتمزقات التي تعتري ذاتنا الإنسانية، لنجسد في النهاية معنى نحن وهي، نحن والكتابة.

لكن دون أن نكون نحن بنيتها الأساسية، بل هي بنيتنا، فاللغة حتى داخل النص تتحكم بنا لتأخذنا ضمن أحداث لم نخلقها، أو تمنحنا معنى أكثر مما نتوقع أو أقل مما نتوقع حتى نضيع بين حروفها، أو تخلق لنا كائنات لغوية لم نضع خطة لولادتها، أو أنها لا تسعفنا حين يشتد ذهننا بكثافة من الكلمات، تعج كالسحاب فتنهال علينا كطير الأبابيل، ونعود للنقطة الأولى لنتلقى الهزيمة عندما نقول.

على كل لا أعتقد أنني في موقع يمكن لي التحدث فيه عن الكتابة أو اللغة، لكن يمكنني أن أسقط هذا عن تجربتي عن الكتابة، فأنا هزمت عندما أنجب حبري، تعبيري، “الأورفيوسي” رواية “لي في المأوى أورفيوسي”، لأجدني في الحلقة الأولى التي تحدثت عنها، تكبرني وتتجاوزني، وتتجاوز المعاني التي أضفيتها عليها، فما خلقته في تلك الأحداث، ما هو إلا جزء من فكرتها العظيمة التي لم أكتبها بعد، فالأورفيوسي لا يزال شبحا لفكرة اعتقدت أنني بلغتها، لكنه لا يزال عالقا في ذهني، في جزء ما، فكرة كبيرة كحلقة ممتدة، ربما تكبر أو تنتهي في نص آخر، ثم نص آخر، ثم نص آخر، كاللانهائي “كالفكرة التي ومضت كالبرق وترفض منذ زمن أن تسمح برؤيتها في الضوء الساطع” بتعبير إدغار ألن بو في مقالته منهج التأليف. وبهذا أموت في كل نص وأهزم وأنتهي، وتنتهي الكلمات في جعبتي دون أن ينتهي هو، أي دون أن ينتهي المؤلَف أو الفكرة فتظل تخفت بنورها كسراب يوهمنا في كل لحظة أننا كدنا نبلغه.

ولعلها ورغم كل شيء تظل _ لي في المأوى أورفيوسي_ تلك التجربة الأولى التي تحمل داخلها جنونا من المشاعر المتداخلة بين الذات والتعبير والرؤية القلقة للعالم، وبين التجربة الإبداعية اللغوية المفعمة بالكثافة، ترصد بعض ملامح الفكر التي تظهر في صورة الشخصيات، في كونها الوجودي، الروحي، عبر أزمة الانفصال، الموت، الحب، التخلي، الرحيل، والتمزقات مع الذات ومع الآخر، ومع الحياة نفسها، في صورة متجانسة ومتداخلة تارة، ومتصارعة المعنى تارة أخرى. فتجسد تلك الكينونة الصامتة في حين والمليئة بالكلمات في حين آخر، ليولد نص روائي تكتبه كائناته، وتتفاعل فيه كالحقيقة.

إعداد هيئة التحرير…